أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
483
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الذي خاضوا . والكلام في العائد كما سبق قبل . الثالث : أنّ « الذي » من صفة المصدر والتقدير : وخضتم خوضا كالخوض الذي خاضوه . وعلى هذا فالعائد منصوب من غير وساطة حرف جر . وهذا الوجه ينبغي أن يكون هو الراجح إذ لا محذور فيه . الرابع : أن « الذي » تقع مصدرية ، والتقدير : وخضتم خوضا كخوضهم ومثله . 2533 - فثبّت اللّه ما آتاك من حسن * في المرسلين ونصرا كالذي نصروا « 1 » أي : كنصرهم . وقول الآخر : 2534 - يا أمّ عمرو جزاك اللّه مغفرة * ردّي عليّ فؤادي كالذي كانا « 2 » أي : ككونه . وقد تقدّم أن هذا مذهب الفراء ويونس ، وتقدّم تأويل البصريين لذلك . قال الزمخشري : « فإن قلت : أيّ فائدة في قوله : فاستمتعوا بخلاقهم كما ، وقوله : كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مغن عنه كما أغنى كَالَّذِي خاضُوا عن أن يقال : وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا ؟ قلت : فائدته أن يذمّ الأوّلين بالاستمتاع بما أوتوا ورضاهم بها عن النظر في العاقبة وطلب الفلاح في الآخرة وأن يخسّس أمر الاستمتاع ، ويهجّن أمر الراضي به ، ثم يشبه حال المخاطبين بحالهم . وأمّا « وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا » فمعطوف على ما قبله ، ومسند إليه مستغن بإسناده إليه عن تلك المقدمة » يعني أنه استغنى عن أن يكون التركيب : وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا . وفي قوله : كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ إيقاع للظاهر موقع المضمر لنكتة : وهو أن كان الأصل : فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتعوا بخلاقهم ، فأبرزهم بصورة الظاهر تحقيرا لهم كقوله تعالى : لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا وكقوله قبل ذلك : الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ثم قال : إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ . وهذا كما يدل بإيقاع الظاهر موقع المضمر على التفخيم والتعظيم يدلّ به على عكسه وهو التحقير . قوله تعالى : قَوْمِ نُوحٍ : بدل من الموصول قبله وهو يحتمل أن يكون بدل كل من كان إن كان المراد بالذين ما ذكر بعده خاصة ، وأن يكون بدل بعض من كل إن أريد به أعمّ من ذلك . والمؤتفكات أي : المنقلبات يقال : أفكته فانتفك أي : قلبته فانقلب ، والمادة تدل على التحوّل والتصرف ومنه « يؤفك عنه من أفك » أي : يصرف . والضمير في « أَتَتْهُمْ » يجوز أن يعود على من تقدّم ، وخصّه بعضهم بالمؤتفكات . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 71 إلى 80 ] وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 71 ) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 72 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 73 ) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 74 ) وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 75 ) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 76 ) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 77 ) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 78 ) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 79 ) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 80 )
--> - انظر شرح المفصل لابن يعيش ( 1 / 125 ) وانظر أمالي ابن الشجري ( 1 / 361 ) . ( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت لجرير انظر ديوان ( 491 ) المحتسب ( 2 / 189 ) .